القرطبي
254
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرت له بشئ ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تريدين ألا يدخل بيتك شئ ولا يخرج إلا بعلمك ) قلت : نعم ، قال : ( مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك ) . الخامسة : قوله تعالى : " ثم استوى " " ثم " لترتيب الاخبار لا لترتيب الامر في نفسه . والاستواء في اللغة : الارتفاع والعلو على الشئ ، قال الله تعالى : " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك " [ المؤمنون : 28 ] ، وقال " لتستووا على ظهوره " [ الزخرف : 13 ] ، وقال الشاعر : فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي ارتفع وعلا ، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي ، بمعنى علا . وهذه الآية من المشكلات ، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وذهب إليه كثير من الأئمة ، وهذا كما روى عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : " الرحمن على العرش ( 1 ) استوى " [ طه : 5 ] قال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والايمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك رجل سوء ! أخرجوه . وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة . وهذا قول المشبهة . وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها . وقال الفراء في قوله عز وجل : " ثم استوى إلى السماء فسواهن " قال : الاستواء في كلام العرب على وجهين ، أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته ، أو يستوي عن اعوجاج . فهذان وجهان . ووجه ثالث أن تقول : كان ( 2 ) فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني . على معنى أقبل إلي وعلي . فهذا معنى قوله : " ثم استوى إلى السماء " والله أعلم . قال وقد قال ابن عباس : ثم استوى إلى السماء صعد . وهذا كقولك : كان قاعدا فاستوى قائما ، وكان قائما فاستوى قاعدا ، وكل ذلك في كلام العرب جائز . وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله :
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 169 ( 2 ) عبارة الأصول : ( . . . كان مقبلا على يشاتمني وإلي سواء ، على معنى . . الخ ) وبها لا يستقيم المعنى . والتصويب عن اللسان وشرح القاموس وتفسير الطبري .